عبد العزيز عتيق

152

علم البديع

نفوسهم ، فإن الصلاة من أوكد فرائض اللّه على عباده ، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب ، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية ، ولهذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « الأعمال بالنيات » . * * * أما القسم الثالث والأخير من أقسام الالتفات فهو الخاص بالإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل وعن المستقبل بالفعل الماضي . فالأول هنا ، هو « الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل » . وبيان ذلك أن الفعل المستقبل إذا أتى في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي . والسبب في ذلك أن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها ، ويستحضر تلك الصورة حتى كأن السامع يشاهدها وليس كذلك الفعل الماضي . وليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض يجري هذا المجرى . وتفصيل ذلك أن عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين : أحدهما بلاغي وهو إخبار عن الفعل الماضي بمستقبل ، والآخر ليس بلاغيا . وليس إخبارا عن فعل ماض بمستقبل ، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض ، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض . فالضرب الأول كقوله تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ . فإنما قال فَتُثِيرُ مستقبلا وما قبله وما بعده ماض ، وذلك حكاية للحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب ، واستحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة . . . وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تميز وخصوصية ، كحال تستغرب أو تهم المخاطب أو غير ذلك .